الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

54

تفسير روح البيان

أفضلية الملائكة على البشر ظَهِيرٌ خبر والملائكة والجملة معطوفة على جملة فان اللّه هو مولاه وما عطف عليه اى فوج مظاهر له معين كأنهم يد واحدة على من يعاديه فما ذا يفيد تظاهر امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه وما ينبئ عنه قوله تعالى بعد ذلك من فضل نصرتهم على نصرة غيرهم من حيث إن نصرة الكل نصرة اللّه بهم وبمظاهرتهم أفضل من سائر وجوه نصرته يعنى ان نصرة اللّه اما نصرة ذاتية بلا آلة ولا سبب أو نصرة بتوسط مخلوقاته والثاني يتفاوت بحسب تفاوت قدرة المخلوقات وقوتهم ونصرة الملائكة أعظم وابعد رتبة بالنسبة إلى سائر المخلوقات على حسب تفاوت قدرتهم وقوتهم فإنه تعالى مكن الملائكة على ما لم يمكن الإنسان عليه فالمراد بالبعدية ما كان بحسب الرتبة لا الزمان بأن يكون مظاهرة الملائكة أعظم بالنسبة إلى نصرة المؤمنين وجبريل داخل في عموم الملائكة ولا يخفى ان نصرة جميع الملائكة وفيهم جبريل أقوى من نصرة جبريل وحده قال في الإرشاد هذا ما قالوا ولعل الأنسب أن يجعل ذلك إشارة إلى مظاهرة صالح المؤمنين خاصة ويكون بيان بعدية مظاهرة الملائكة تداركا لما يوهمه الترتيب من أفضلية المقدم اى في نصرة فكأنه قيل بعد ذكر مظاهرة صالح المؤمنين وسائر الملائكة بعد ذلك ظهير له عليه السلام إيذانا بعلو رتبة مظاهرتهم وبعد منزلتها وجبرا لفصلها عن مظاهرة جبريل قال بعضهم لعل ذكر غير اللّه مع أن الاخبار بكونه تعالى مولاه كاف في تهديدهما لتذكير كمال رفعة شأن النبي عليه السلام عند اللّه وعند الناس وعند الملائكة أجمعين . يقول الفقير أيده اللّه القدير هذا ما قالوا والظاهر أن اللّه تعالى مع كفاية نصرته ذكر بعد نفسه من كان أقوى في نصرته عليه السلام من المخلوقات لكون المقام مقام التظاهر لكون عائشة وحفصة متظاهرتين وزاد في الظهير لكون المقام مقام التهديد أيضا وقدم جبريل على الصلحاء لكونه أول نصير له عليه السلام من المخلوقات وسفيرا بينه وبين اللّه تعالى وقدم الصلحاء على الملائكة لفضلهم عليهم في باب النصرة لان نصرة الملائكة نصرة بالفعل القالبى ونصرة الصلحاء نصرة به وبالهمة وهي أشد وما يفيده البعدية من أفضلية تظاهرهم على تظاهر الصلحاء فمن حيث الظاهر إذ هم أقدر على الافعال الشاقة من البشر فاقتضى مقام التهديد ذكر البعدية وفي قوله وصالح المؤمنين إشارة إلى غريبة اطلعنى اللّه تعالى عليها وهي ان صالحا اسم النبي عليه السلام كما في المفردات فان قلت كيف هو ونصرة النبي لنفسه محال قلت هذه نصرة من مقام ملكيته لمقام بشريته ومن مقام جمعه لمقام فرقه ومن مقام ولايته لمقام نبوته كالتسليم في قوله السلام عليك أيها النبي ان صح انه عليه السلام قال في تشهده ونظيره نصرة موسى عليه السلام لنفسه حين فر من القبط كما قال ففررت منكم وذلك لان فيه نصرة نفسه الناطقة لنفسه الحيوانية وفيه إشارة أيضا إلى القلب والقوى الروحانية المنصورة على النفس بتأييد اللّه تعالى وتأييد ملك الإلهام قال بعض الكبار ليس في العالم أعظم قوة من المرأة يسر لا يعرفه الا من عرف فيم وجد العالم وبأي حركة أوجده الحق تعالى وانه عن مقدمتين فإنه نتيجة والناتج طالب والطالب مفتقر والمنتوج مطلوب والمطلوب له عزة الافتقار اليه